الإمام علي

 

 

التنصیص علی خلافة علي ابن أبي طالب

 

أشرنا سابقا إلى أنّ الشيعة تعتقد بوضوح أنّ الخلافة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) منصوصةٌ. 

وتاريخ حياة نبيّنا (صلى الله عليه وآله) شاهد لما نقول ; حيث نراه (صلى الله عليه وآله) عرّف عليّاً للناس في مواطن متعدّدة بعنوان الولي والخليفة من بعده ، ونحن نكتفي بذكر ثلاث منها :

الأول: في بدء البعثة المباركة ، وعندما اُمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بدعوة عشيرته للتوحيد بقوله تعالى في سورة الشعراء (214) : )  وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ  ( ، خاطب الحاضرين بقوله :

إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة  ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟

فأحجم القوم عنها جميعاً ، إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فعندها التفت رسول الله(صلى الله عليه وآله) الى الحاضرين وقال :

إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .
(تاريخ الطبري، ج 2 ، ص 63 . الكامل في التاريخ ، ج 2  ، ص 40 ـ 41 . مسند أحمد ، ج 1 ، ص 111. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 210 ـ 212 ).
 
الثاني: قال النبيّ (صلى الله عليه وآله)لعليّ (عليه السلام) في غزوة تبوك :

أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟ !

يعني أنّه كما كان هارون(عليه السلام) الوصيّ المباشر ومن دون فصل لموسى(عليه السلام) ، كذلك أنت وصيّي وخليفتي . (سيرة النبي (ص) لابن هشام ، ج 4 ، ص 947 . السيرة النبوية لابن كثير ، ج 4 ، ص 12) .

الثالث: في السنة العاشرة من الهجرة وعند رجوع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من حجّة الوداع وفي منطقة «غدير خم» و أمام حشود بشريّة عظيمة من المسلمين عرّف رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً بعنوانه وليّاً للمسلمين ، فقال :
«من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه».

الأمر الجالب للانتباه هو قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) قبل ذلك وفي أول خطبته حيث قال :
«ألَستُ أولى بكم من أنفسكم ؟»
فأجابه المسلمون أجمع بقولهم : بلى .

وينبغي القول بأن مراد النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قوله : «مولاه» هو أولويّته بالمؤمنين وولايته عليهم و أنّه صاحب الاختيار التامّ فيهم . ويمكن أن نستنتج أنّه أثبت بذلك لعليّ(عليه السلام) نفس الأولويّة الثابتة له (صلى الله عليه وآله) .

وفي هذا اليوم قال حسان بن ثابت أبياته التي ذكر فيها هذه الحادثة التاريخيّة المهمّة فقال :

يناديهم   يوم  الغدير  نبيهم
بخم  وأسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم  و نبيكم؟
فقالوا  ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك   مولانا   و   أنت   نبينا
ولم تلق منّا في الولاية عاصیا
فقال  له  قم يا عليّ  فانّني
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت  مولاه  فهذا  وليه
فكونوا  له  أتباع صدق  مواليا
هناك  دعا  اللّهمّ   وال  وليّه
و كن للذي عادى عليّاً معاديا

 (الغدير ، ج 2 ، ص 34 . المناقب للخوارزمي ، ص 80 . تذكرة خواصّ الاُمة لسبط ابن الجوزي ، ص 20 . كفاية الطالب ، ص 17 ).

وحديث الغدير من الأحاديث المتواترة بين المسلمين وقد رواه علماؤنا و ثلاثمئة وستون عالماً من علماء أهل السنّة، وتنتهي أسانيدها الى مئة وعشر من الصحابة .

(انظر ـ كنموذج لذلك ـ كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر (الطبعة الثانية، طبع مصر) الفصل 2، ص 122).

وقد كتب ستة وعشرون من كبار علماء المسلمين كتباً في أسناد وطريق حديث الثقلين . وقد جمع أبو جعفر الطبري ـ المؤرّخ المعروف ـ أسناد وطرق هذا الحديث في جزئين كبيرين . وللاطلاع على تفصيل أكثر في هذا المجال راجع كتاب الغدير .

مضافا علی هذه الروایات المتواترة ، نجد في القرآن آیات متعدّدة تدلّ علی ولایة علي ابن أبي طالب (ع) ، و نحن نذکر نموذجا منها:

)  إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ  ( . (المائدة : 55) .

وقد صرّحت الروايات الصحيحة في كتب الفريقين بأنّ الآية الشريفة نزلت في حقّ عليّ عندما تصدّق بخاتمه على الفقير أثناء الركوع. (راجع کتاب الغدير ، ج 2 ، ص 58 . و المناقب للموفق الخوارزمي ، ص 265 .).

وقد نظم الشاعر المعروف حسّان بن ثابت هذه الواقعة في أبيات له بعد نزول هذه الآية في شأن عليّ ، فقال :

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي
وكلّ بطيء  في الهدى  و مسارع

أ يذهب مدحي و المحبين  ضايعاً!
و ما المدح  في ذات الإله  بضايع

فأنت الذي  أعطيت  إذ أنت  راكع
فدتك  نفوس القوم  يا  خير  راكع

بخاتمك  الميمون  يا   خير  سيد
و  يا خير   شار   ثمّ يا خير  بايع

فأنزل    فيك   الله   خير   ولاية
و بيّنها  في  محكمات  الشرايع