إثبات وجود البارئ
هناک أسالیب و طرق مختلفة لمعرفة وجود البارئ و هي کالتالي :
الأول: التدبّر في نظام الخلق و مظاهره الباهرة و جماله البدیع و تماسک أجزائه .
الثاني: إقامة البراهین الفلسفیة التي تبتني علی اسس العقل و الحکمة.
الثالث: الاستدلال بالأدلّة العلمیّة المبتنیة علی أساس الاستقراء القائم علی حساب الاحتمالات.
الاسلوب الإوّل
حینما ننظر إلی أیّة ظاهرة من ظواهر العالم ، من الذّرات الصغیرة إلی المجرّات العملاقة ، نجد نظما و تماسکا محیّرا للعقول ؛ و عندما نتعمّق في معرفتها نری أنّها تدور علی أساس القوانین العلمیة و القواعد الرصینة التي عجز کبار العلماء و المحقّقین من کشف جمیع هذه القوانین الدقیقة و لایزالون یحاولون للوصول إلی عمقها و کیفیة دورها في إدارة شئون العالم.
فعندما ننظر إلی جهاز القوّة الباصرة مثلا ، نری أن القوانین العلمیة المتعلّقة بالنور (کقانون انعکاس النور و قانون انکساره و قانون العدسات) استخدمت في صنع العین. و عندما ننظر إلی جهاز القوّة السامعة نری أنّ قوانین الصوت (کقوانین الأمواج) طُبّقت في صنع الاذن. و هکذا الحال في کلّ جهاز آخر ، بل في کلّ ظاهرة من ظواهر الکَون.
و عند التأمّل و التدبّر في هذا النظم الرائع ، ندرک بأنّ للعالم صانعا حکیما و خبیرا بالقوانین العلمیة المذکورة و هو البارئ تبارک و تعالی.
نذکر مثالا آخر للنظام المتماسک في العالم و هو کما یلي :
کلّ إنسان بل کلّ حیوان یستنشق من الهواء عند الشهیق و هي تحتوي علی عنصر الاوکسجین أیضا. و ینتقل الاکسجین إلی خلایا الجسم و یوجب احتراق المادة الغذائیة فيها و یستهلک إثر هذه العملیة و یأخذ مکانه عنصر سامّ و هو غاز "ثاني اکسید الکربون" . فیخرج عند الزفیر هذا الغاز السّامّ (أی ثاني اکسید الکربون) بدل الغاز الحیوي المستهلک (أی الاکسجین).
و علی هذا الأساس ، في کلّ لحظة تقلّ کمّیّة غاز الاکسجین في الهواء و في المقابل ، تزداد کمّیّة غاز ثاني اکسید الکربون السامّ.
و نتیجة لذلک ، کان یجب أن ینعدم وجود الاکسجین في الهواء ، و بالتالي أن لایتمکّن أیّ انسان أو حیوان من الحیاة علی وجه الأرض.
فمن الذي قام بحلّ هذه المشکلة و کیف ؟
کلّ عاقل یعلم بأنّ حلّ هذه المسألة العویصة لایمکن إلا لمن هو عالم بالقوانین في مجال علم الحیاة ؛ و هو البارئ الحکیم ، الذي قام بخلق الأشجار و النباتات ، فإنّها تجذب غاز ثاني اکسید الکربون السامّ ، و تدخّر الکربون منه في اصولها و أغصانها و تطلق الاکسجین في الهواء. و بهذه الطریقة ، تزداد کمّیة عنصر الاکسجین في الهواء مرّة اخری و تحلّ تلک المشکلة.
لا شکّ أننا لانقدر علی بیان کلّ الظواهر و شرح الأنظمة المتناسقة فیها في هذه الرسالة المختصرة ، لأنّها أکثر من أن تحصی ؛ لکنّ کلّ عالم متخصص في مجاله العلمي ، یجد آلافا من الأمثلة من هذا القبیل، التي تحیّر الإنسان و تبرهن علی وجود الخالق الحکیم و البارئ الخبیر لنظام الکَون.
الاسلوب الثاني
الاسلوب الثاني لإقامة الدلیل علی وجود البارئ ، یبتني علی الاسس الفلسفیة الّتي تحتاج إلی تمهید المقدّمات التخصّصیّة ؛ و لایخفی أنّ بیان تلک الأدلّة الفلسفیة مع تفاصیلها یستدعي تألیف کتاب ضخم أو موسوعة کبیرة.
و لکنّنا نحاول في هذه الرسالة المختصرة أن نقدّم إلی القارئ الکریم نموذجا ساذجا من تلک البراهین ، الذي لایفتقر إلی مقدّمات فلسفیة کثیرة و تمهیدات تخصّصیة مفصّلة.
برهان الوجوب و الإمکان
الموجود – بحسب الحصر العقلي- إما وجوده من نفسه و هو یسمّی "واجب الوجود" في مصطلح الفلسفة ، أو یکون وجوده من غیره و هو یسمّی "ممکن الوجود".
و علی هذا الأساس ، یکون "ممکن الوجود" معلولا و یحتاج إلی العلّة، لأنّ کلّ معلول مفتقر إلی العلّة بحکم العقل ؛ بخلاف "واجب الوجود" الذي یکون قائما بالذات.
و العقل یحکم بأنّه لایمکن أن یکون کلّ الموجودات "ممکن الوجود" فقط، لأنّ المجموعة المتکوّنة من الممکنات، هي ممکنة الوجود و لا تتحقّق من دون ما یکون وجوده ضروریا له و لا یجتاج إلی غیره. و ذلک لأنّ کلّ ما هو بالعرض یجب أن ینتهي إلی ما هو بالذات ، و إلا لایتحقّق أبدا.
فلابدّ من أن تنتهي سلسلة الممکنات – المحتاجة إلی الغیر- إلی موجود یکون وجوده من نفسه ، و هو "واجب الوجود" و "البارئ" سبحانه و تعالی.
و بهذا البیان ، یثبت وجود "واجب الوجود" الذي هو المبدء الأول و العلّة الاولی لخلق الکَون. و أما صفاته و کمالاته و خصوصیّاته فسوف تتبیّن في مبحث صفات البارئ.
الاسلوب الثالث
لا شکّ عند علماء الطبیعة من الفلکیّین و الفیزیائیین و الکیمیائیین و البیولوجیین و غیرهم في أنّ العالم یسوده نظام متناسق و ترتیب بدیع. و نجد هذا التنظیم المحیّر للعقول في مظاهر الکَون و أجهزة العالم ، التي لاتعدّ و لا تحصی.
و السؤال الذي یطرح نفسه هو أنه : من أین جاء هذا التنظیم و الترتیب؟
و یمکن الإجابة عن هذا السؤال بوجهین :
الجواب الأول هو أنّ تنظیم الکَون و أجزائه و أجهزته هو من باب الصدفة و الاحتمال العشوائي.
و الجواب الثاني هو أنّه من صُنع الخالق المدبّر و المنظّم الحکیم و هو البارئ تبارک و تعالی.
و قد بیّن الأخصّائیون کالعالم الریاضي "دي موافر" (De Moivre ) بطلان نظریّة الاحتمال العشوائي و أثبت أنّ هذا النظام المتماسک البدیع لایمکن أن یکون من باب الصدفة. و وضّح رأیه بالمثال الریاضي التالي:
"إنّنا لو وضعنا في صندوق عشرة قطع معدنیة مصنوعة من نفس المعدن و متماثلة في القدر و الشکل و الوزن و اللون ، و رقمناها من 1 إلی 10 بالترتیب. فالاحتمال في أن نعثر علی الرقم (1) صدفة (أی من دون أن نستخدم البصر) هو واحد من عشرة.
و الاحتمال في أن نظفر بالرقمین (1 و 2) بصورة متتالیة یکون واحدا من مائة. و إذا أردنا أن نظفر بثلاثة أرقام متتالیة (1 و 2 و 3) فدرجة الاحتمال تکون واحدا من ألف.
و إذا أردنا أن نوفّق إلی سحب الأرقام من 1 إلی 10 بصورة متتالیة ، فمرتبة الاحتمال تکون واحدا من عشرة آلاف ملیون.
و إذا علمنا أنّ المخلوقات المنتظمة المرتّبة في هذا الکَون مختلفة و متعددة جدّا ، و أنّ المخلوقات تکاد لا تتناهی ، و أن الترتیب في هذه الموجودات یختلف و یتمایز بعضه من بعض ؛ إذن ستکون مرتبة الاحتمال للصدفة العشوائیة صفرا.
و هذا یعني أنّه لیس هناک في خلق الکَون من صدفة عشوائیة أبدا ؛ بل أنّ کلّ ما في الکَون قد رتّب و نظّم من قِبَل المهندس الأعظم ، و هو الله تبارک و تعالی". 1
-----------------------------------------------------------------------------
1 نقلا عن کتاب "العلوم الطبیعیة في القرآن" ، للدکتور یوسف مروّة.
إشکال و حلّه
قد یقول المعارضون لوجود بارئ الکَون : إنّ العالم قد تکوّن من المادّة ، و المادّة أزلیّة و أبدیّة و لا توجد لها نقطة الانطلاق و البدایة و لم یحتاج وجودها إلی خالق و بارئ.
نقول في الجواب :
کان بعض العلماء في القرن التاسع عشر - مثل لاووازیه - یصوّرون العالم علی أنّه مؤلّف من مادّة ثابتة الکمّیة و هي أزلیّة لاتقبل الخلق و الفناء حسب قانون "بقاء المادّة" (Conservation of Matter ).
لکنّ العلماء الکبار في القرن العشرین – مثل آلبرت اینشتاین – أثبتوا أنّ العالم بمادته و هیأته لم یکن أزلیّا ، بل هو مسبوق بالعدم و صار موجودا من زمان الإنفجار العظیم (Big Bang ) ، قبل أکثر من ثلاثة عشر میلیار سنة.
*****
|