التوحيد

من وجهة نظر آیة الله حسيني نسب

 

إثبات التوحید

 

استدلّ العلماء علی إثبات التوحید بأدلّة کثیرة و نحن نذکر نبذة منها :

الدلیل الأول

عندما ننظر إلی العالم من منظار العلم و التحقیق،  نری أنّ  مجموعاته متماسکة و متناسقة کجهاز واحد ،  و أنّ کل جزء من أجزائه وُضع في موضعه المناسب له ، و أنّ کلّ واحدة من الثوابت و السیّارات و المجرّات تدور  في فَلَکها الخاص ، من دون حدوث خلل في حرکاتها أو تعارض في مسیراتها.

و من هنا ندرک بأنّ مهندس الکَون و مدبّر الأمر هو إله واحد یشرف علی نظام الخلق و الأمر و لایوجد من یعارضه أو یخالفه في إدارة شئون العالم.

و یمکن شرح هذا الدلیل بمثال بسیط :

حینما نری لوحة فنّیة و فیها صورة طائر مثلا ، و هي متجانسة الألوان و متناغمة الظلال و تشیع الروعة في أرجائها ، لحکمنا بأنّ فنّانا  واحدا قام برسمها و تنسیق أرکانها. و لو تعدّد الرسامون و رسم أحدهم رأسه و الثاني رجلیه و الثالث جناحیه و هکذا ... ، لجائت هذه الصورة أقرب إلی الکاریکاتیر منه إلی لوحة فنّیة.

الدلیل الثاني

لو کان للإله شریک ، لأرسل رسوله أیضا ، و أنزل کتابه السماوي ، و أعلن عن وجوده و عرّف نفسه للبشر. لکنّ الأنبیاء الذین أتوا بشریعة إلهیة ، اعترفوا بأنهم مرسلون من قِبَل إله واحد ، و هو خالق الکَون وحده لاشریک له.

 

الدلیل الثالث

لو کان هناک إله أخر غیر الإله البارئ ، فلایخلو حالهما من أمرین : إما أن لا یحتاج أحدهما إلی الآخر في خلق العالم، أو یفتقر إلیه.

فإن کان لایحتاج إلیه فوجود الإله الثاني عبث و غیر لازم. و إن کان یفتقر إلیه ، فیثبت الاحتیاج و الافتقار في وجوده . و الحال أنّ الاحتیاج إلی الغیر عیب فاحش و نقص بارز لایناسب مؤسسّ الکَون و مُبدع هذا الصرح العظیم بما فیه من الکبریاء و الجبروت و الکمال و الجمال.

بعد ذکر الأدلّة التي تدلّ علی وحدة البارئ سبحانه و تعالی ، نتطرّق من باب الاستطراد إلی تکملة للبحث ، و هي محلّ المناقشة بین المسلمین ، لنوضّح وجهة نظرنا تجاه الآخرین.
 

مظاهر التوحید

هناک معاني و مجالي لتوحید البارئ تبارک و تعالی ، و هي کالتالي :

 التوحيد في الذات

التوحيد في الذات يطرح بشكلين ، هما :

أـ إنّ الله واحد ، وليس له مثيل أو نظير. ، وهو التوحيد الذي ذكره الباري في كتابه العزيز بصور مختلفة ، كقوله تعالى :
)  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ  ( ( ) .

وقوله في موضع آخر :

)  وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  ( ( ) .

        لكن قد يفسّر هذا التوحيد الوارد في الآية بتفسير ساذج ينسجم مع أذهان عوامّ الناس ، فيأخذ صبغة التوحيد العددي ; وهو أن يقال : إنّ الله واحد لا إثنان .
        ومن الواضح أنّ التوحيد العددي لا يناسب مقام العظمة الإلهيّة .

ب ـ أنّ الذات الإلهيّة بسيطة لا تركيب فيها ، فإنّ التركيب في الموجود دليل على حاجته ، سواء كان التركيب في الأجزاء أو كان التركيب ذهنيّاً ; لأنّ التركيب في موجود معيّن دليل على حاجته إلى أجزائه ، والحاجة علامة الإمكان ، والإمكان يلازم الحاجة إلى العلّة ، وكلّ ذلك ينافي وجوب الوجود .

التوحيد في الخالقيّة

التوحيد في الخالقيّة هو أحد مراتب التوحيد ، وقد أيّده العقل والنقل . فدلّ العقل على أنّ كلّ ما في عالم الإمكان من الموجودات فهو عار عن كلّ جمال وكمال ، وأنّ كلّ جمال وكمال في الوجود فهو من منبع الفيض ، أعني الغني بالذات ، واجب الوجود . فكلّ ما نشاهده من الجمال والكمال فهو جماله وكماله تقدّست أسماؤه .

وأمّا النقل فقد دلّت الآيات الكثيرة بصراحة على هذا النوع من التوحيد ، نظير قوله تعالى :

)  قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ  ( ( ) .

فعلى هذا لا يمكن أن يتصوّر خلاف في أصل التوحيد في الخالقيّة .

نعم ، يوجد تفسيران للتوحيد في الخالقيّة ، هما :

أ ـ إنّ كلّ ما في الوجود من نظام العلّيّة والمعلوليّة أو الأسباب والمسبّبات بين الموجودات فلابدّ أن ينتهي إلى علّة أصيلة هي علّة العلل ، ومسبّبة الأسباب ، هو الخالق المستقلّ والأصيل لتمام المخلوقات ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وتأثير ما عداه في معلولاته تأثير بالتبع وبإذن الله ومشيئته .

        فالأساس الذي اعتمدته هذه النظريّة هو نظام العلّيّة والمعلوليّة في الوجود ، الذي توصّل إليه العلم أيضاً . وفي نفس الوقت اعترفت هذه النظريّة بأن جميع الكون متعلّق بنحو من الأنحاء بالله سبحانه ، فهو الذي أبدع هذا النظام وهذا العالم ، وهو الذي أفاض السببيّة على الأسباب ، والعلّيّة على العلل والتأثير على المؤثّرات .

ب ـ إنّه لا يوجد في الوجود إلاّ خالق واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، ولا تأثير في الوجود لشيء على شيء ، وإنّما التأثير منحصر في الباري جلّ وعلا ، فهو المؤثّر في جميع الأشياء من دون واسطة ، فجميع الظواهر الطبيعيّة من آثاره سبحانه بلا واسطة شيء آخر ، حتى إنّ قدرة البشر في الأفعال لا تأثير لها أيضاً .

        وعلى هذا فليس في الوجود إلاّ علّة واحدة هي الله سبحانه وتعالى ، بل إنّ الله سبحانه هو القائم مقام جميع العلل الطبيعيّة التي توصّل إليها العلم .

        لكن هذا التفسير للتوحيد في الخالقيّة إنّما يقول به بعض علماء الأشاعرة ، وأنكره آخرون منهم ; نظير إمام الحرمين( ) ، والشيخ محمّد عبده في رسالته في التوحيد ، حيث وافقوا التفسير الأوّل للتوحيد .

 

التوحيد في التدبير

لما كان الخلق منحصراً في الباري جلّ وعلا ، كان تدبير نظام الوجود منحصراً فيه أيضاً ، ففي الوجود لا مدبّر إلاّ الله سبحانه وتعالى .

والدليل العقلي الذي يثبت التوحيد في الخالقيّة بنفسه يُثبت التوحيد في التدبير أيضاً .

وأما الدليل النقلي ، فقد دلّ القرآن الكريم في آيات عديدة على أنّ المدبّر الوحيد في العالم هو الله سبحانه وتعالى ، كقوله تعالى :

)  قُلْ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء  ( ( ) .

ويجري نفس التفسيرين اللذين ذكرناهما للتوحيد في الخالقيّة هنا ، ففي نظرنا أنّ المراد من التوحيد في التدبير هو انحصار التدبير الاستقلالي به سبحانه وتعالى . وعليه فالتدبير بين الموجودات المختلفة في العالم كلّها تدبيرات بالتبع ، وكلّها بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله :

)  فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا  ( ( ) .

 

التوحيد في الحاكميّة

التوحيد في الحاكميّة تعني أنّ الحكومة كحقّ ثابت لا يمكن إزالته مختصّة بالله سبحانه وتعالى ، فهو الوحيد الذي له الحكم على الأفراد ، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم بقوله :
)  إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ  ( ( ) .

وعلى هذا الأساس يجب أن تكون حكومة الآخرين بمشيئته وإرادته سبحانه ، كي يقود الصالحون الناسَ إلى الهداية ، ويوصلوهم إلى شاطئ السلام ، وينزلوهم منازل السعادة والكمال ، كما يقول تعالى :

)  يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ  ( ( ) .

التوحيد في الطاعة

التوحيد في الطاعة يعني أنّ من تجب طاعته ويلزم اتّباعه بالذات هو الله سبحانه وتعالى . وعليه فطاعة غيره من نبيّ ، أو إمام ، أو فقيه ، أو والد ووالدة ، أو...كلّها بأمره وإرادته سبحانه وتعالى .

التوحيد في التقنين والتشريع

التوحيد في التقنين يعني أنّ حقّ التشريع ووضع الأحكام والقوانين مختصّ به سبحانه . ومن هنا فإن القرآن الكريم يصف الحكم الذي يخرج عن إطار التشريع الإلهي بأنه سبب للكفر تارة ، وللفسق اُخرى ، وللظلم ثالثة ، وذلك حين يقول :
)  وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ  ( ( ) .
)  وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ  ( ( ) .
)  وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ  ( ( ) .

التوحيد في العبادة

أهم بحث في هذا النوع من التوحيد هو تحديد معنى العبادة ; فإن جميع المسلمين متفقون على اختصاص العبادة بالله ، ولا يجوز عبادة غيره ، وهو ما أكّده القرآن الكريم بقوله :

)  إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ  ( ( ) .

ويستفاد من الآيات الكريمة وجود أصل تشترك فيه دعوة جميع الأنبياء ، وتمام سفراء الله سبحانه الذين بعثهم لتبليغ الأديان ، فالقرآن الكريم يصرّح بقوله :

)  وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ  ( ( ) .

فهذه الآية تبيّن وجود أصل متّفق عليه بين الرسل وهو أنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه ، ولا يجوز عبادة غيره . وعليه فلا كلام في هذه الجهة ; لعدم الخلاف فيها .

إنّما الكلام في المعيار الذي نشخّص به العبادة عن غيرها . فمثلاً تقبيل يد المعلّم ، أو يد العالم ، أو يد أحد الوالدين ، أو أمثالهم من ذوي الحقوق ، هل يعدّ عبادة لهم ؟ أم أنّ معنى العبادة ليس هو مطلق الخضوع والتذلّل ، وإنّما يجب أن يتوفّر في الخضوع  عنصر آخر كي يكون عبادة ، وما لم يتوفّر هذا العنصر في حقيقة العمل فلا يعدّ عبادة ، حتى لو كان الخضوع في حد السجود .

والآن يجب معرفة هذا العنصر الذي به يكون الخضوع عبادة ، وهذه المسألة مهمّة للغاية .

الفهم الخاطئ للعبادة

عرّف بعض الكتّاب العبادة بأنها «الخضوع» ، أو «الخضوع الشديد» . فواجهوا مشكلة في تفسير جملة من الآيات الكريمة ، حيث صرّح القرآن الكريم بأننا أمرنا الملائكة بالسجود لآدم ، وذلك قوله تعالى :

)وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ  ( ( ) .

فالسجود لآدم(عليه السلام) كان بنفس الطريقة والهيئة التي كانوا يسجدون فيها لله سبحانه ، والحال أنّ السجود الذي سجدوه لآدم كان لإظهار وإبراز التواضع ، بخلاف سجودهم لله فإنّه عبادة .

فيقع السؤال التالي : لماذا اختلفت حقيقة هذين السجودين مع اتّحادهما في الهيئة ؟

ويبيّن الباري في موضع آخر من الذكر الحكيم أثناء سرده قصّة يوسف(عليه السلام) أنّ يعقوب(عليه السلام) سجد لولده ، حيث يقول :

)  وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا  ( ( ) .

والمراد من الرؤيا في الآية هو ما رآه يوسف(عليه السلام) قبل ذلك في المنام حيث رأى أحد عشر كوكباً و الشمس و القمر له ساجدين ، والذي ذكره الباري عن لسان يوسف بقوله :

)  يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ  ( ( ) .

فمن تفسير يوسف(عليه السلام) وتأويله سجود أبيه وأهله له بما رآه سابقاً في المنام ، يتّضح أنّ المراد من )  أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا  ( هو إخوته الأحد عشر والمراد من )  الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ  ( هو والديه .
وبهذا يتّضح أنّه لم يكن السجود ليوسف من قبل إخوته فقط ، وإنّما سجد له أبوه يعقوب(عليه السلام) أيضاً وهو نبيّ معصوم .
فهنا يقع السؤال التالي : لماذا لم يكن هذا السجود ـ والذي فيه تمام الخضوع ـ عبادة ؟

عذرٌ هو أقبح من الفعل

تحيّر الكتّاب المشار إليهم سابقاً في الجواب عن هذا السؤال ، فقالوا : لمّا كان هذا الخضوع بأمر الله سبحانه وتعالى لم يكن شركاً .

لكنّ هذا الجواب ليس بناضج كما هو واضح ; فإنّ الله لا يأمر بالعمل إذا كانت حقيقته شركاً . فالقرآن الكريم يقول :
)  قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ  ( ( ) .

وأساساً فإن أمر الله بالشيء لا يغيّر حقيقة الشيء ، فإذا كانت حقيقة الخضوع لإنسان عبادةٌ له ، ومع ذلك فقد أمر به الباري سبحانه ، فنتيجته هو الأمر بعبادته .

جواب الإشكال وبيان المعنى الحقيقي للعبادة

اتّضح لحدّ الآن أنّ حرمة عبادة غير الله من موارد اتّفاق جميع المسلمين ، وجميع الموحّدين لله سبحانه . كما اتّضح أنّ سجود الملائكة لآدم(عليه السلام) ، وسجود يعقوب(عليه السلام) وأولاده ليوسف(عليه السلام) لم يكن عبادة لهما .

والآن لنتأمّل في السبب الحقيقي الذي جعل فعلاً واحداً له نفس الخصوصيّات عبادة تارة ، وخارجاً عن نطاق العبادة اُخرى .

بمراجعة الآيات الكريمة يتّضح لنا أنّ العبادة هي الخضوع أمام موجود معيّن مقترناً مع اعتقاد اُلوهيّته ، أو نسبة الأفعال الإلهيّة إليه . ومن خلال هذا البيان يتّضح أنّ العنصر الرئيسي الذي يجعل الخضوع عبادة تارة ويخرجه عن حيّز العبادة اُخرى هو اعتقاد اُلوهيّة ذلك الذي يخضع له ، أو أن ينسب الأفعال الإلهيّة إليه ، فإذا اقترن الخضوع بهذا الاعتقاد اكتسب صبغة العبادة .

فكان مشركو العالم ـ سواء من كان منهم في شبه الجزيرة العربيّة أو غيرها ـ يخضعون لأصنام وموجودات يعتقدون أنّها مخلوقة لله ، لكنّهم مع ذلك يعتقدون أنّ بعض الأفعال الإلهيّة ـ كغفران الذنوب والشفاعة ـ موكلة إليهم .

كما كان بعض مشركي بابل يعبدون أجراماً سماويّة يعتقدون أنّها أرباب لهم ـ لا أنّها خالقة لهم ـ وإنّما يعتقدون أنّها المدبّرة لشؤونهم ، والمسيّرة لهذا العالم ، وأنّ أمر الناس موكل إليهم ، ولهذا فإنّ مناظرة نبيّ الله إبراهيم الخليل(عليه السلام) مع مشركي بابل كانت على هذا الأساس ; فإنّه لم يكن من عقيدة مشركي بابل أنّ الشمس والقمر والنجوم آلهة خالقة لهم ، وإنّما كان من عقيدتهم أنّ الشمس والقمر والنجوم مخلوقات قادرة ، اُوكل لها إدارة الكون وتدبير الاُمور .

والآيات الكريمة التي ذكرت وبيّنت مناظرة نبيّ الله إبراهيم الخليل(عليه السلام) مع مشركي بابل اعتمدت واتّكأت على لفظة «الربّ» ، وهي تعني «الصاحب» و  «المدبّر للمملوكات» . فالعرب يسمّون صاحب البيت «ربّ البيت» ، وصاحب المزرعة «ربّ المزرعة» ، لأنّ تدبير اُمور البيت على عهدة صاحبه وتدبير اُمور المزرعة على عهدة صاحبها .

فالقرآن الكريم يصدع بأن الله سبحانه هو المدبّر الوحيد للكون ، وبهذا فقد نهض الباري جلّ وعلا لمبارزة المشركين ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده بقوله عزّ من قائل :

)  إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ  ( ( ) .
وقال في موضع آخر :

)  ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ  ( ( ) .

وقال في موضع ثالث :

)  لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الاَْوَّلِينَ  ( ( ) .
وقال حاكياً عن لسان عيسى(عليه السلام) :

)  وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ  ( ( ) .

فيعلم مما مضى بوضوح أنّه لا يمكن عدّ الخضوع الذي لا يقارنه اعتقاد الاُلوهيّة عبادة ، حتى لو كان في أعلى درجات الخضوع والتذلّل . وكذا نسبة الأفعال الإلهيّة إلى مخلوق معيّن لا يمكن عدّها عبادة ما لم تقترن باعتقاد الاُلوهيّة .

فعلى هذا الأساس لا يكون خضوع الولد أمام أبيه واُمّه ، وخضوع الاُمّة أمام النبيّ(صلى الله عليه وآله) عبادة ; لفقدانه القيد المذكور .

وبهذا يتّضح الحال في كثير من المسائل نظير : التبرّك بآثار أولياء الله سبحانه ، وتقبيل أضرحة وأبواب مشاهد الأئمّة والأولياء والصالحين ، والتوسّل بأولياء الله وأحبّائه ، ونداؤهم ، وإحياء ذكريات ولاداتهم ووفياتهم ، و ... التي عدّها بعض الجهّال من الشرك ، مع أنّه اتّضح بما ذكرناه أنّه ليست لها بالشرك صلة .