إثبات التوحید
استدلّ العلماء علی إثبات التوحید بأدلّة کثیرة و نحن نذکر نبذة منها :
الدلیل الأول
عندما ننظر إلی العالم من منظار العلم و التحقیق، نری أنّ مجموعاته متماسکة و متناسقة کجهاز واحد ، و أنّ کل جزء من أجزائه وُضع في موضعه المناسب له ، و أنّ کلّ واحدة من الثوابت و السیّارات و المجرّات تدور في فَلَکها الخاص ، من دون حدوث خلل في حرکاتها أو تعارض في مسیراتها.
و من هنا ندرک بأنّ مهندس الکَون و مدبّر الأمر هو إله واحد یشرف علی نظام الخلق و الأمر و لایوجد من یعارضه أو یخالفه في إدارة شئون العالم.
و یمکن شرح هذا الدلیل بمثال بسیط :
حینما نری لوحة فنّیة و فیها صورة طائر مثلا ، و هي متجانسة الألوان و متناغمة الظلال و تشیع الروعة في أرجائها ، لحکمنا بأنّ فنّانا واحدا قام برسمها و تنسیق أرکانها. و لو تعدّد الرسامون و رسم أحدهم رأسه و الثاني رجلیه و الثالث جناحیه و هکذا ... ، لجائت هذه الصورة أقرب إلی الکاریکاتیر منه إلی لوحة فنّیة.
الدلیل الثاني
لو کان للإله شریک ، لأرسل رسوله أیضا ، و أنزل کتابه السماوي ، و أعلن عن وجوده و عرّف نفسه للبشر. لکنّ الأنبیاء الذین أتوا بشریعة إلهیة ، اعترفوا بأنهم مرسلون من قِبَل إله واحد ، و هو خالق الکَون وحده لاشریک له.
الدلیل الثالث
لو کان هناک إله أخر غیر الإله البارئ ، فلایخلو حالهما من أمرین : إما أن لا یحتاج أحدهما إلی الآخر في خلق العالم، أو یفتقر إلیه.
فإن کان لایحتاج إلیه فوجود الإله الثاني عبث و غیر لازم. و إن کان یفتقر إلیه ، فیثبت الاحتیاج و الافتقار في وجوده . و الحال أنّ الاحتیاج إلی الغیر عیب فاحش و نقص بارز لایناسب مؤسسّ الکَون و مُبدع هذا الصرح العظیم بما فیه من الکبریاء و الجبروت و الکمال و الجمال.
بعد ذکر الأدلّة التي تدلّ علی وحدة البارئ سبحانه و تعالی ، نتطرّق من باب الاستطراد إلی تکملة للبحث ، و هي محلّ المناقشة بین المسلمین ، لنوضّح وجهة نظرنا تجاه الآخرین.
مظاهر التوحید
هناک معاني و مجالي لتوحید البارئ تبارک و تعالی ، و هي کالتالي :
التوحيد في الذات
التوحيد في الذات يطرح بشكلين ، هما :
أـ إنّ الله واحد ، وليس له مثيل أو نظير. ، وهو التوحيد الذي ذكره الباري في كتابه العزيز بصور مختلفة ، كقوله تعالى :
) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ( ) .
وقوله في موضع آخر :
) وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ( ( ) .
لكن قد يفسّر هذا التوحيد الوارد في الآية بتفسير ساذج ينسجم مع أذهان عوامّ الناس ، فيأخذ صبغة التوحيد العددي ; وهو أن يقال : إنّ الله واحد لا إثنان .
ومن الواضح أنّ التوحيد العددي لا يناسب مقام العظمة الإلهيّة .
ب ـ أنّ الذات الإلهيّة بسيطة لا تركيب فيها ، فإنّ التركيب في الموجود دليل على حاجته ، سواء كان التركيب في الأجزاء أو كان التركيب ذهنيّاً ; لأنّ التركيب في موجود معيّن دليل على حاجته إلى أجزائه ، والحاجة علامة الإمكان ، والإمكان يلازم الحاجة إلى العلّة ، وكلّ ذلك ينافي وجوب الوجود .
التوحيد في الخالقيّة
التوحيد في الخالقيّة هو أحد مراتب التوحيد ، وقد أيّده العقل والنقل . فدلّ العقل على أنّ كلّ ما في عالم الإمكان من الموجودات فهو عار عن كلّ جمال وكمال ، وأنّ كلّ جمال وكمال في الوجود فهو من منبع الفيض ، أعني الغني بالذات ، واجب الوجود . فكلّ ما نشاهده من الجمال والكمال فهو جماله وكماله تقدّست أسماؤه .
وأمّا النقل فقد دلّت الآيات الكثيرة بصراحة على هذا النوع من التوحيد ، نظير قوله تعالى :
) قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ ( ( ) .
فعلى هذا لا يمكن أن يتصوّر خلاف في أصل التوحيد في الخالقيّة .
نعم ، يوجد تفسيران للتوحيد في الخالقيّة ، هما :
أ ـ إنّ كلّ ما في الوجود من نظام العلّيّة والمعلوليّة أو الأسباب والمسبّبات بين الموجودات فلابدّ أن ينتهي إلى علّة أصيلة هي علّة العلل ، ومسبّبة الأسباب ، هو الخالق المستقلّ والأصيل لتمام المخلوقات ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وتأثير ما عداه في معلولاته تأثير بالتبع وبإذن الله ومشيئته .
فالأساس الذي اعتمدته هذه النظريّة هو نظام العلّيّة والمعلوليّة في الوجود ، الذي توصّل إليه العلم أيضاً . وفي نفس الوقت اعترفت هذه النظريّة بأن جميع الكون متعلّق بنحو من الأنحاء بالله سبحانه ، فهو الذي أبدع هذا النظام وهذا العالم ، وهو الذي أفاض السببيّة على الأسباب ، والعلّيّة على العلل والتأثير على المؤثّرات .
ب ـ إنّه لا يوجد في الوجود إلاّ خالق واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، ولا تأثير في الوجود لشيء على شيء ، وإنّما التأثير منحصر في الباري جلّ وعلا ، فهو المؤثّر في جميع الأشياء من دون واسطة ، فجميع الظواهر الطبيعيّة من آثاره سبحانه بلا واسطة شيء آخر ، حتى إنّ قدرة البشر في الأفعال لا تأثير لها أيضاً .
وعلى هذا فليس في الوجود إلاّ علّة واحدة هي الله سبحانه وتعالى ، بل إنّ الله سبحانه هو القائم مقام جميع العلل الطبيعيّة التي توصّل إليها العلم .
لكن هذا التفسير للتوحيد في الخالقيّة إنّما يقول به بعض علماء الأشاعرة ، وأنكره آخرون منهم ; نظير إمام الحرمين( ) ، والشيخ محمّد عبده في رسالته في التوحيد ، حيث وافقوا التفسير الأوّل للتوحيد .
التوحيد في التدبير
لما كان الخلق منحصراً في الباري جلّ وعلا ، كان تدبير نظام الوجود منحصراً فيه أيضاً ، ففي الوجود لا مدبّر إلاّ الله سبحانه وتعالى .
والدليل العقلي الذي يثبت التوحيد في الخالقيّة بنفسه يُثبت التوحيد في التدبير أيضاً .
وأما الدليل النقلي ، فقد دلّ القرآن الكريم في آيات عديدة على أنّ المدبّر الوحيد في العالم هو الله سبحانه وتعالى ، كقوله تعالى :
) قُلْ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء ( ( ) .
ويجري نفس التفسيرين اللذين ذكرناهما للتوحيد في الخالقيّة هنا ، ففي نظرنا أنّ المراد من التوحيد في التدبير هو انحصار التدبير الاستقلالي به سبحانه وتعالى . وعليه فالتدبير بين الموجودات المختلفة في العالم كلّها تدبيرات بالتبع ، وكلّها بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله :
) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا ( ( ) .
التوحيد في الحاكميّة
التوحيد في الحاكميّة تعني أنّ الحكومة كحقّ ثابت لا يمكن إزالته مختصّة بالله سبحانه وتعالى ، فهو الوحيد الذي له الحكم على الأفراد ، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم بقوله :
) إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ ( ( ) .
وعلى هذا الأساس يجب أن تكون حكومة الآخرين بمشيئته وإرادته سبحانه ، كي يقود الصالحون الناسَ إلى الهداية ، ويوصلوهم إلى شاطئ السلام ، وينزلوهم منازل السعادة والكمال ، كما يقول تعالى :
) يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ ( ( ) .
التوحيد في الطاعة
التوحيد في الطاعة يعني أنّ من تجب طاعته ويلزم اتّباعه بالذات هو الله سبحانه وتعالى . وعليه فطاعة غيره من نبيّ ، أو إمام ، أو فقيه ، أو والد ووالدة ، أو...كلّها بأمره وإرادته سبحانه وتعالى .
التوحيد في التقنين والتشريع
التوحيد في التقنين يعني أنّ حقّ التشريع ووضع الأحكام والقوانين مختصّ به سبحانه . ومن هنا فإن القرآن الكريم يصف الحكم الذي يخرج عن إطار التشريع الإلهي بأنه سبب للكفر تارة ، وللفسق اُخرى ، وللظلم ثالثة ، وذلك حين يقول :
) وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( ( ) .
) وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( ( ) .
) وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ( ( ) .
التوحيد في العبادة
أهم بحث في هذا النوع من التوحيد هو تحديد معنى العبادة ; فإن جميع المسلمين متفقون على اختصاص العبادة بالله ، ولا يجوز عبادة غيره ، وهو ما أكّده القرآن الكريم بقوله :
) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ ( ( ) .
ويستفاد من الآيات الكريمة وجود أصل تشترك فيه دعوة جميع الأنبياء ، وتمام سفراء الله سبحانه الذين بعثهم لتبليغ الأديان ، فالقرآن الكريم يصرّح بقوله :
) وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ ( ( ) .
فهذه الآية تبيّن وجود أصل متّفق عليه بين الرسل وهو أنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه ، ولا يجوز عبادة غيره . وعليه فلا كلام في هذه الجهة ; لعدم الخلاف فيها .
إنّما الكلام في المعيار الذي نشخّص به العبادة عن غيرها . فمثلاً تقبيل يد المعلّم ، أو يد العالم ، أو يد أحد الوالدين ، أو أمثالهم من ذوي الحقوق ، هل يعدّ عبادة لهم ؟ أم أنّ معنى العبادة ليس هو مطلق الخضوع والتذلّل ، وإنّما يجب أن يتوفّر في الخضوع عنصر آخر كي يكون عبادة ، وما لم يتوفّر هذا العنصر في حقيقة العمل فلا يعدّ عبادة ، حتى لو كان الخضوع في حد السجود .
والآن يجب معرفة هذا العنصر الذي به يكون الخضوع عبادة ، وهذه المسألة مهمّة للغاية .
الفهم الخاطئ للعبادة
عرّف بعض الكتّاب العبادة بأنها «الخضوع» ، أو «الخضوع الشديد» . فواجهوا مشكلة في تفسير جملة من الآيات الكريمة ، حيث صرّح القرآن الكريم بأننا أمرنا الملائكة بالسجود لآدم ، وذلك قوله تعالى :
)وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ ( ( ) .
فالسجود لآدم(عليه السلام) كان بنفس الطريقة والهيئة التي كانوا يسجدون فيها لله سبحانه ، والحال أنّ السجود الذي سجدوه لآدم كان لإظهار وإبراز التواضع ، بخلاف سجودهم لله فإنّه عبادة .
فيقع السؤال التالي : لماذا اختلفت حقيقة هذين السجودين مع اتّحادهما في الهيئة ؟
ويبيّن الباري في موضع آخر من الذكر الحكيم أثناء سرده قصّة يوسف(عليه السلام) أنّ يعقوب(عليه السلام) سجد لولده ، حيث يقول :
) وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ( ( ) .
والمراد من الرؤيا في الآية هو ما رآه يوسف(عليه السلام) قبل ذلك في المنام حيث رأى أحد عشر كوكباً و الشمس و القمر له ساجدين ، والذي ذكره الباري عن لسان يوسف بقوله :
) يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( ( ) .
فمن تفسير يوسف(عليه السلام) وتأويله سجود أبيه وأهله له بما رآه سابقاً في المنام ، يتّضح أنّ المراد من ) أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ( هو إخوته الأحد عشر والمراد من ) الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ ( هو والديه .
وبهذا يتّضح أنّه لم يكن السجود ليوسف من قبل إخوته فقط ، وإنّما سجد له أبوه يعقوب(عليه السلام) أيضاً وهو نبيّ معصوم .
فهنا يقع السؤال التالي : لماذا لم يكن هذا السجود ـ والذي فيه تمام الخضوع ـ عبادة ؟
عذرٌ هو أقبح من الفعل
تحيّر الكتّاب المشار إليهم سابقاً في الجواب عن هذا السؤال ، فقالوا : لمّا كان هذا الخضوع بأمر الله سبحانه وتعالى لم يكن شركاً .
لكنّ هذا الجواب ليس بناضج كما هو واضح ; فإنّ الله لا يأمر بالعمل إذا كانت حقيقته شركاً . فالقرآن الكريم يقول :
) قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( ( ) .
وأساساً فإن أمر الله بالشيء لا يغيّر حقيقة الشيء ، فإذا كانت حقيقة الخضوع لإنسان عبادةٌ له ، ومع ذلك فقد أمر به الباري سبحانه ، فنتيجته هو الأمر بعبادته .
جواب الإشكال وبيان المعنى الحقيقي للعبادة
اتّضح لحدّ الآن أنّ حرمة عبادة غير الله من موارد اتّفاق جميع المسلمين ، وجميع الموحّدين لله سبحانه . كما اتّضح أنّ سجود الملائكة لآدم(عليه السلام) ، وسجود يعقوب(عليه السلام) وأولاده ليوسف(عليه السلام) لم يكن عبادة لهما .
والآن لنتأمّل في السبب الحقيقي الذي جعل فعلاً واحداً له نفس الخصوصيّات عبادة تارة ، وخارجاً عن نطاق العبادة اُخرى .
بمراجعة الآيات الكريمة يتّضح لنا أنّ العبادة هي الخضوع أمام موجود معيّن مقترناً مع اعتقاد اُلوهيّته ، أو نسبة الأفعال الإلهيّة إليه . ومن خلال هذا البيان يتّضح أنّ العنصر الرئيسي الذي يجعل الخضوع عبادة تارة ويخرجه عن حيّز العبادة اُخرى هو اعتقاد اُلوهيّة ذلك الذي يخضع له ، أو أن ينسب الأفعال الإلهيّة إليه ، فإذا اقترن الخضوع بهذا الاعتقاد اكتسب صبغة العبادة .
فكان مشركو العالم ـ سواء من كان منهم في شبه الجزيرة العربيّة أو غيرها ـ يخضعون لأصنام وموجودات يعتقدون أنّها مخلوقة لله ، لكنّهم مع ذلك يعتقدون أنّ بعض الأفعال الإلهيّة ـ كغفران الذنوب والشفاعة ـ موكلة إليهم .
كما كان بعض مشركي بابل يعبدون أجراماً سماويّة يعتقدون أنّها أرباب لهم ـ لا أنّها خالقة لهم ـ وإنّما يعتقدون أنّها المدبّرة لشؤونهم ، والمسيّرة لهذا العالم ، وأنّ أمر الناس موكل إليهم ، ولهذا فإنّ مناظرة نبيّ الله إبراهيم الخليل(عليه السلام) مع مشركي بابل كانت على هذا الأساس ; فإنّه لم يكن من عقيدة مشركي بابل أنّ الشمس والقمر والنجوم آلهة خالقة لهم ، وإنّما كان من عقيدتهم أنّ الشمس والقمر والنجوم مخلوقات قادرة ، اُوكل لها إدارة الكون وتدبير الاُمور .
والآيات الكريمة التي ذكرت وبيّنت مناظرة نبيّ الله إبراهيم الخليل(عليه السلام) مع مشركي بابل اعتمدت واتّكأت على لفظة «الربّ» ، وهي تعني «الصاحب» و «المدبّر للمملوكات» . فالعرب يسمّون صاحب البيت «ربّ البيت» ، وصاحب المزرعة «ربّ المزرعة» ، لأنّ تدبير اُمور البيت على عهدة صاحبه وتدبير اُمور المزرعة على عهدة صاحبها .
فالقرآن الكريم يصدع بأن الله سبحانه هو المدبّر الوحيد للكون ، وبهذا فقد نهض الباري جلّ وعلا لمبارزة المشركين ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده بقوله عزّ من قائل :
) إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( ( ) .
وقال في موضع آخر :
) ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ ( ( ) .
وقال في موضع ثالث :
) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الاَْوَّلِينَ ( ( ) .
وقال حاكياً عن لسان عيسى(عليه السلام) :
) وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ( ( ) .
فيعلم مما مضى بوضوح أنّه لا يمكن عدّ الخضوع الذي لا يقارنه اعتقاد الاُلوهيّة عبادة ، حتى لو كان في أعلى درجات الخضوع والتذلّل . وكذا نسبة الأفعال الإلهيّة إلى مخلوق معيّن لا يمكن عدّها عبادة ما لم تقترن باعتقاد الاُلوهيّة .
فعلى هذا الأساس لا يكون خضوع الولد أمام أبيه واُمّه ، وخضوع الاُمّة أمام النبيّ(صلى الله عليه وآله) عبادة ; لفقدانه القيد المذكور .
وبهذا يتّضح الحال في كثير من المسائل نظير : التبرّك بآثار أولياء الله سبحانه ، وتقبيل أضرحة وأبواب مشاهد الأئمّة والأولياء والصالحين ، والتوسّل بأولياء الله وأحبّائه ، ونداؤهم ، وإحياء ذكريات ولاداتهم ووفياتهم ، و ... التي عدّها بعض الجهّال من الشرك ، مع أنّه اتّضح بما ذكرناه أنّه ليست لها بالشرك صلة .
|