النبوّة
مباحث هذا الفصل تنقسم إلی قسمین :
القسم الأول یشتمل علی معالم النبوّة بشکل عامّ و إثبات الحاجة إلی الرسالة السماویة و بیان میزات الأنبیاء و صفاتهم الخاصة.
أما القسم الثاني ینطوي علی مباحث تتعلّق برسالة نبیّنا محمّد ابن عبد الله صلّی الله علیه و آله بشکل خاص ، کإثبات نبوّته و بیان معجزته الخالدة و هي القرآن.
و القسم الأول یسمی بمباحث النبوّة العامّة ، و الثاني بمباحث النبوّة الخاصة.
الحاجة الی الرسالة السماویة
إنّ الإنسان یتمیّز عن غیره بمیزة المعرفة و إدراک الحقائق ؛ لکنّه رغم تطوّره في العلم و معرفة العالم ، یعاني من الجهل بالقضایا الأساسیة و المسائل المصیریة ، و لا یعرف أسرار نفسه و رموز الحیاة و لغز الخلق.
قد عرف الإنسان کثیرا من معالم جسمه و نفسه ، لکنّه مع فرض انفصاله عن مدرسة الوحي الإلهي ، لا یعرف أنّه من أین جاء و إلی أین یذهب و لماذا أتی إلی هذا العالم .
و قد استطاع العلم البشري أن یکشف لنا جریان خلق الکَون من زمان الانفجار العظیم (Big Bang ) ، الذي أدّی إلی خلق العالم الجسماني ؛ لکنّه لایدرک ماذا کان هناک قبل ذلک، و ماذا سیکون بعد نهایة العالم و انهیار هذا الصرح الجسماني.
و علی هذا الأساس ، یکون الإنسان ناقصا في العلم و المعرفة و یحتاج إلی مصدر من العلم الغیر المتناهي ، لیجد الجواب عن أسئلته الأساسیة حول المبدء و المعاد و طریق السعادة الحقیقیة. و هذا المصدر اللامتناهي هو الشریعة الإلهیة ، التي توصّل الإنسان إلی ماء الحیاة الطیّبة و السعادة الخالدة.
میزات الأنبیاء
حیث أنّ الأنبیاء هم حَمَلَة الأمانة الألهیة و حلقة الوصل بین سماء اللاهوت و أرض الناسوت ، فیجب أن یکونوا متّصفین بصفات خاصّة و متمیّزین عن غیرهم بمیزات أساسیة ، و ذلک لأهمّیة رسالتهم و ثقل مسئولیتهم تجاه الخالق و الخلق.
و قد ذکر علماء الکلام تلک الخصوصیات في کتبهم المفصّلة ، و أبرزها هي التالیة :
العصمة
المعجزة
أما العصمة فهي بمعنی التجنّب عن المعصية. و الدلیل علی وجوب عصمة الأنبیاء هو أنّ النبيّ مأمور بهدایة الناس من الضلال إلی الهدی و من المعصیة إلی طاعة الله ؛ و هو في هذا المقام قدوة لأتباعه و أسوة لمن تمسّک بشریعته . فلو ارتکب الذنوب و توغّل في المعاصي ، لاتبقی لمن تبعه ثقة بکلامه و عمله ، و ینحطّ قدره من موقع الزعامة الروحیة و قمّة الکمال المعنوي إلی حضیض السقوط في ارتکاب المناهي. و هذا یخالف الهدف الأسمی من بعث الرسل لهدایة الناس.
و البرهان العقلي الآخر الذي یدلّ علی وجوب عصمة الأنبیاء هو أنّه لو جاز لهم ارتکاب الخطأ و العصیان ، فکلّ شئ یقع منهم من قول أو فعل ، یحتمل أن یکون خطأ و باطلا ؛ فلا یجب اتّبعاعهم في ذلک. و هذا الأمر أیضا ینافي فلسفة النبوّة و حکمة البعثة.
أما المعجزة ، فهي ما یعجز البشر عن مجاراته و الإتیان بمثله، و هي حجة الأنبیاء و دلیلهم علی صحّة رسالتهم و صدق کلامهم.
فإذا نصب الله سبحانه و تعالی رسولا للناس ، فلابدّ من أن یعرّفهم بشخصه و یبیّن لهم صحّة رسالته علی وجه التعیین. و لایتمّ ذلک إلا بإعطاء المعجزة الإلهیة ، التي لا تصدر إلا من خالق الکَون و لایمکن لأحد من البشر أن یأتي بمثلها ، إلا النبي بإذن الله. |